مجد الدين ابن الأثير

476

المختار من مناقب الأخيار

تصوم في شدّة الحرّ حتى يسودّ لونها ويتغيّر وجهها ، فيقال لها في ذلك ، فتقول : إنّما أدور على طول الرّيّ والشّبع في الآخرة . وكانت قد بكت حتى اسودّ مجاري دموعها من وجهها ، وكان يأتيها محمد بن النّضر وأصحابه ، فتحادثهم ساعة ثم تقول : قوموا فالحديث هناك طيّب في دار لا همّ فيها ولا موت ولا تعب « 1 » . رحمة اللّه عليها . * * * المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قال عبد اللّه بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه أسلم ، قال : بينا أنا مع عمر بن الخطّاب ، وهو يعسّ المدينة إذ عيي ، فاتّكأ إلى جانب جدار في جوف الليل ، فإذا امرأة تقول لابنتها : يا ابنتاه ، قومي إلى ذلك اللّبن فامذقيه بالماء . فقالت لها : يا أمّتاه ، وما علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم ؟ قالت : وما كان من عزمته يا بنيّة ؟ قالت : إنّه أمر مناديا فنادى : أن لا يشاب اللبن بالماء . فقالت لها : يا بنيّة ، قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء ، فإنّك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر . فقالت الصبيّة لأمّها : يا أمّتاه ، واللّه ما كنت لأطيعه في الملأ ، وأعصيه في الخلاء . وعمر يسمع كلّ ذلك . فقال : يا أسلم ، علّم الباب ، واعرف الموضع . ثم مضى في عسّه . فلمّا أصبح قال : يا أسلم ، امض إلى الموضع ، فانظر من القائلة ، ومن المقول لها ؟ وهل لهم من بعل ؟ فأتيت الموضع ، فنظرت فإذا

--> ( 1 ) صفة الصفوة 3 / 194 ، 195 .